فخر الدين الرازي

72

تفسير الرازي

[ بم ثم قال تعالى : * ( إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ) * . وفيه مسائل : الأولى : المشهور أن قوله : * ( إنا كل شيء ) * متعلق بما قبله كأنه قال : ذوقوا فإنا كل شيء خلقناه بقدر ، أي هو جزاء لمن أنكر ذلك ، وهو كقوله تعالى : * ( ذق إنك أنت العزيز الكريم ) * ( الدخان : 49 ) والظاهر أنه ابتداء كلام وتم الكلام عند قوله : * ( ذوقوا مس سقر ) * ( القمر : 48 ) ثم ذكر بيان العذاب لأن عطف : * ( وما أمرنا إلا واحدة ) * ( القمر : 50 ) يدل على أن قوله : * ( إنا كل شيء خلقناه بقدر ) * ليس آخر الكلام . ويدل عليه قوله تعالى : * ( ألا له الخلق والأمر ) * ( الأعراف : 54 ) وقد ذكر في الآية الأولى الخلق بقوله : * ( إنا كل شيء خلقناه ) * فيكون من اللائق أن يذكر الأمر فقال : * ( وما أمرنا إلا واحدة ) * وأما ما ذكر من الجدل فنقول النبي صلى الله عليه وسلم تمسك عليهم بقوله : * ( إن المجرمين في ضلال ) * إلى قوله : * ( ذوقوا مس سقر ) * ( القمر : 47 ، 48 ) وتلا آية أخرى على قصد التلاوة ، ولم يقرأ الآية الأخيرة اكتفاء بعلم من علم الآية كما تقول في الاستدلالات : * ( لا تأكلوا أموالكم ) * ( النساء : 29 ) الآية : * ( ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه ) * ( الأنعام : 121 ) الآية : * ( وإذا تداينتم ) * ( البقرة : 283 ) الآية إلى غير ذلك . المسألة الثانية : * ( كل ) * قرىء بالنصب وهو الأصح المشهور ، وبالرفع فمن قرأ بالنصب فنصبه بفعل مضمر يفسره الظاهر كقوله : * ( والقمر قدرناه ) * ( يس : 39 ) وقوله : * ( والظالمين أعد لهم ) * ( الإنسان : 31 ) وذلك الفعل هو خلقناه وقد فسره قوله : * ( خلقناه ) * كأنه قال : إنا خلقنا كل شيء بقدر ، وخلقناه على هذا لا يكون صفة لشيء كما في قوله تعالى : * ( ومن كل شيء خلقنا زوجين ) * ( الذاريات : 49 ) غير أن هناك يمنع من أن يكون صفة كونه خالياً عن ضمير عائد إلى الموصوف ، وههنا لم يوجد ذلك المانع ، وعلى هذا فالآية حجة على المعتزلة لأن أفعالنا شيء فتكون داخلة في كل شيء فتكون مخلوقة لله تعالى ، ومن قرأ بالرفع لم يمكنه أن يقول كما يقول في قوله : * ( وأما ثمود فهديناهم ) * ( فصلت : 17 ) حيث قرىء بالرفع لأن كل شيء نكرة فلا يصح مبتدأ فيلزمه أن يقول : كل شيء خلقناه فهو بقدر ، كقوله تعالى : * ( وكل شيء عنده بمقدار ) * ( الرعد : 8 ) في المعنى ، وهذان الوجهان ذكرهما ابن عطية في تفسيره وذكر أن المعتزلي يتمسك بقراءة الرفع ويحتمل أن يقال : القراءة الأولى وهو النصب له وجه آخر ، وهو أن يقال : نصبه بفعل معلوم لا بمضمر مفسر وهو قدرنا أو خلقنا ، كأنه قال : إنا خلقنا كل شيء خلقناه بقدر ، أو قدرنا كل شيء خلقناه بقدر ، وإنما قلنا : إنه معلوم لأن قوله : * ( ذلكم الله ربكم خالق كل شيء ) * ( غافر : 62 ) دل عليه ، وقوله : * ( وكل شيء بمقدار ) * دل على أنه قدر وحينئذ لا يكون في الآية دلالة على بطلان قول المعتزلي وإنما يدل على بطلان قوله : * ( الله خالق كل شيء ) * ( الزمر : 62 ) وأما على القراءة الثانية وهي الرفع ، فنقول : جاز أن يكون كل شيء مبتدأ وخلقناه بقدر خبره وحينئذ تكون الحجة قائمة عليهم بأبلغ وجه ، وقوله : * ( كل شيء ) * نكرة فلا يصلح مبتدأ ضعيف لأن قوله : * ( كل شيء ) * عم الأشياء كلها بأسرها ، فليس فيه